فخر الدين الرازي

65

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

المسألة الثالثة : في دخول ( من ) في قوله مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وجوه أحدها : المراد : ونكفر عنكم بعض سيئاتكم لأن السيئات كلها لا تكفر بذلك ، وإنما يكفر بعضها ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغواء بارتكابها إذا علم أنها مكفرة ، بل الواجب أن يكون العبد في كل أحواله / بين الخوف والرجاء وذلك إنما يكون مع الإبهام والثاني : أن يكون ( من ) بمعنى من أجل ، والمعنى : ونكفر عنكم من أجل ذنوبكم ، كما تقول : ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك والثالث : أنها صلة زائدة كقوله فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ * [ محمد : 15 ] والتقدير : ونكفر عنكم جميع سيئاتكم والأول أولى وهو الأصح . ثم قال : وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وهو إشارة إلى تفضيل صدقة السر على العلانية ، والمعنى أن اللّه عالم بالسر والعلانية وأنتم إنما تريدون بالصدقة طلب مرضاته ، فقد حصل مقصودكم في السر ، فما معنى الإبداء ، فكأنهم ندبوا بهذا الكلام إلى الإخفاء ليكون أبعد من الرياء . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 272 ] لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( 272 ) [ في قوله تعالى لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ ] هذا هو الحكم الرابع من أحكام الإنفاق ، وهو بيان أن الذي يجوز الإنفاق عليه من هو ثم في الآية مسائل : المسألة الأولى : في بيان سبب النزول وجوه أحدها : أن هذه الآية نزلت حين جاءت نتيلة أم أسماء بنت أبي بكر إليها تسألها ، وكذلك جدتها وهما مشركتان ، أتيا أسماء يسألانها شيئاً فقالت لا أعطيكما حتى أستأمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنكما لستما على ديني ، فاستأمرته في ذلك فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، فأمرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تتصدق عليهما . والرواية الثانية : كان أناس من الأنصار لهم قرابة من قريظة والنضير وكانوا لا يتصدقون عليهم ، ويقولون ما لم تسلموا لا نعطيكم شيئاً فنزلت هذه الآية . والرواية الثالثة : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان لا يتصدق على المشركين ، حتى نزلت هذه الآية فتصدق عليهم والمعنى على جميع الروايات : ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام ، فتصدق عليهم لوجه اللّه ، ولا توقف ذلك على إسلامهم ، ونظيره قوله تعالى : لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ [ الممتحنة : 8 ] فرخص في صلة هذا الضرب من المشركين . المسألة الثانية : أنه صلى اللّه عليه وسلم كان شديد الحرص على إيمانهم كما قال تعالى : فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً [ الكهف : 6 ] لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ الشعراء : 3 ] وقال : أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [ يونس : 99 ] وقال : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ [ التوبة : 128 ] فأعلمه اللّه تعالى أنه بعثه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى اللّه بإذنه وسراجاً منيراً ومبيناً للدلائل ، فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك ، فالهدى هاهنا بمعنى الاهتداء ، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم ، وفيه وجه آخر : ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة أن توقف صدقتك عنهم على إيمانهم ، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به ، بل الإيمان